"عملاق له مظهر طفل، شجرة مليئة بالعصافير والظلال، كلب قطع سلسلته واستلقى فوق مسكبة الزهور، متعطل نشط، مجنون حكيم، جزيرة محاطة بالناس، تلميذ غاف داخل غرف الصف، استراتيجي يتظاهر بأنه ثمل عندما يرغب أن يُترك وشأنه." بهذه الجمل القوية والمتناقضة يصف جان كوكتو صديقه المخرج الأمريكي الشهير أورسون ويلز، إن قوة هذه الجمل وتناقضها يدل على أنها كناية موفقة عن عبقرية سينمائية أحدثت تأثيراً بالسينما الأمريكية وسينما العالم على حد سواء. ليس كوكتو وحده أسبغ صفة العبقرية على ويلز، بل كبار معاصريه ومن لحقهم أيضاً. أحد رواد الموجة الجديدة في السينما فرانسوا تروفو أكد ذلك بلا انقطاع في المقدمة المهمة والمكثفة والموسوعية التي كتبها لكتاب "أورسون ويلز" الذي كتبه أندريه بازان وترجمته إلى العربية نوال لايقة (المؤسسة العامة للسينما - 2012). بازان من أشهر نقاد فرنسا في فترة ما بعد الحرب العامية الثانية. ولد عام 1918 في مدينة (آنجيه)، ومات عام 1958 بعد أن ترك تأثيراً قوياً على الفن السابع برمته. تدخل في السينما بحيث بات مرجعاً لكبار النقاد الذين ظهروا بعد، كما أثر على معاصريه على نحو جعل له مريدين، وقد خطا الكثير من المخرجين على وقع آرائه ونظرياته في السينما. عام 1946 حيث كان بازان في الثامنة والعشرين من عمره عُرض فيلم "المواطن كين" لأورسون ويلز فاعتبره الفيلم الأكثر تشويقاً. إلى جانب فيلم "شروق الشمس" لمارسيل كارنييه، و"قواعد اللعبة" لجان رينوار و"السيد فيردو" لشارلي شابلن. كتب العديد من المقالات عن ويلز وشابلن فوضعته في المرتبة الأولى بين النقاد الشباب الذين كتبوا لمجلة "الشاشة الفرنسية" و"مجلة السينما" اللتين توقفتا عن الصدور ثم عادتا تحت اسم "كراسات السينما" التي شارك بارزان في تأسيسها وقد تحولت إلى المنبر الأكثر أهمية للموجة الفرنسية الجديدة في السينما. أندريه بازان من أشهر نقاد السينما الفرنسيين في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية. ولد بمدينة "أنجيه" عام 1918، ومات شاباً عام 1958 بمدينة "نوجان سيرمان". كتبت مجلة "لندن تايمز ليتراري سيمبليمينت" أن نار بازان أضاءت معظم النقد السينمائي الذي تلاها. فيما اعتبره بيتر بوغدانوفيتش أنه الناقد المعاصر الأكثر تأثيراً، وأنه يكتب عن المخرج الأكثر تأثيراً. ويتساءل: من يمكن أن يطلب أكثر من ذلك؟ بازان يرى أن اسم أورسون ويلز يرتبط في أذهان من بلغوا سن الرشد السينمائي في العام 1946 بحماس إعادة اكتشاف السينما الأمريكية، ويجسد الاعتقاد الذي كان سائداً بين النقاد الشباب في تلك الفترة بأنهم يشهدون انبعاثاً وثورة في هوليود. ذلك أن ويلز كان يشي منذ فيلمه الأول بتجديد عميق في الشكل واللغة السينمائيين. وقد كتب كبار النقاد أن ويلز يوضع بمصاف غريفيت، شابلن، ستروهيم، وإيزنشتاين... وقد وافق على هذا الرأي كلاً من النقاد الذين تجمعوا حول جان كوكتو وهم روبرت بريسون وروجر لينهارت الذين شكلوا "جماعة أوبجيكتيف 49" والتي كان "مهرجان السينما الملعونة في بياريتز" بيانها الرسمي، ويمكن اعتبار أورسون ويلز رئيسها الفخري هي التي كانت تعتبر نفسها متجهة بقوة وتصميم نحو المستقبل. يعتبر بازان أن فرنسا أنتجت "قواعد اللعبة" فيما أنتجت أمريكا "المواطن كين" الذي يراه الناقد الشهير أنه وجه لكمة قوية لتقاليد عريقة في السينما الأمريكية من حيث أنه يشكل مساهمة أسلوبية وفكرية كبيرة ومثمرة، حتى أن المخرج الأمريكي نيكولاس راي وهو أكثر من يمثل نهضة الخمسينات أعلن أن "ويلز واحد من أعظم المخرجين في تاريخ السينما، وجميعنا نحن الذين نحاول إخراج الأفلام ندين له بالكثير من أجل الطرائق الكثيرة التي كان رائداً فيها...". يرى الكثير من النقاد أن فيلم " المواطن كين " (1941) يبدو من وجهة نظر بازان كأحسن مثال يؤكد قيام هذه الثورة فى اللغة السينمائية. ثمة مشاهد كاملة تعالج فى لقطة واحدة بفضل توظيف أسلوب "عمق المجال" سواء فى المقدمة أو العمق, دون الحاجة إلى استخدام أساليب المونتاج التي كان يقف بازان إزاءها موقفاً نقدياً متشدداً. يبدو في الفيلم ذلك المشهد الذى يقوم فيه "سنيور مايتستي" - مدرس الغناء بإعطاء درس لسوزان ألكسندر فى شقة كين الفاخرة, حيث تقف سوزان على اليمين ممسكة بالنوتة الموسيقية فى يدها, وإلى يسارها مباشرة عازف بيانو, وإلى يساره ماتيستي. وعندما يبدأ المشهد يدخل كين من باب فى الخلفية ويقف ويراقب. وهكذا ثمة قوس من دائرة يضم مجموعة من الأشخاص يقفون حول آلة التصوير, ثلاثة منهم فى المقدمة والرابع وحده فى مؤخرة الصورة وكلهم فى غاية الوضوح . وكل هذا المشهد الذى يستغرق حوالي دقيقتين يتم من وضع واحد لآلة التصوير التي لا تتحرك, حيث لم تعد هناك ضرورة لذلك, فكل ما هو هام يمكننا مشاهدته بوضوح. وهذا الأسلوب لم يكن مألوفاً قبل "المواطن كين". يحلل الكاتب فيلم "آل إمبرسون الرائعون" ويكتشف فوراً وحدة الأسلوب المتبع من ويلز، ويعتبرهما التنظير السينمائي لروايات بلزاك الواقعية. وهما ، إضافة إلى ذلك ، يظهران كشهادتين نقديتين على المجتمع الأمريكي. ورغم الأهمية الفكرية والأخلاقية لكلا الفيلمين إلا أن ما جعلهما يحتلان موقع الصدارة في تأثيرهما على السينما، ليست الأمريكية فحسب، بل العالمية هو الشكل الفني لهما وقدرتهما على ابتكار لغة سينمائية عالية الأداء وجديدة على هوليود بتاريخها الجذاب. خلال المسيرة الفنية المظفرة لويلز لم يكن أمام هوليود سوى فرش السجاد الأحمر من أجله، هو المتطلب والذي لم يرض عن الحرية الكاملة بديلاً، وهذا ما يثير الرعب في قلب هوليود، لكنها لم تستطع فعل شيء أما هذه العبقرية النادرة. فوقعت معه عام 1939 عقداً نادراً تضمن أن يقدم كل عام فيلماً، ويختار فيما إذا كان سيكون منتجاً أو مخرجاً أو كاتب سيناريو أو ممثلاً أو جميعهم في آن معاً، ويكفل له العقد 25 بالمائة من الأرباح الصافية لكل فيلم ودفعة مقدمة سلفاً قدرها 150000 دولار!. وهذه الشروط أثارت استنكاراً وحسداً من الكثيرين فنصبوا له الكمائن، إلا أن فيلم "المواطن كين" الذي قدمه عام 1940 استطاع تفكيك ما أعدوه له وفتح له المجال ليعمل ما يريد.. الأمر الذي اضطر خصومه للاعتراف باستثنائيته ورفع القبعات له، إذ كيف لهم ألا يفعلوا ذلك أمام ذلك الذي غير ليس قوانين هوليود فحسب بل السينما.

أكتب تعليقك

البوستر الإعلاني لفيلم البؤساء لمواقع الإنترنت

نقد سينمائي | فيلم البؤساء " Les Miserab....

 تتدفق الألحان، فى &la....

بوستر | House of Sand and Fog
الأسطورة المخرج والمنتج / أورسون ويلز
غلاف المقال

10 خطوات عملية في‮ ‬للبداية في الإخراج المسرحي ....

 ‮ ‬المسرح‮ ... ‬عالم مليء بالطاقة والخيال‮ ‬،‮ ‬عمل شاق ....

بوستر للفيلم المصري المستقل - لأمؤاخدة

كيف تصبح مخرجا مستقلا ....

 يقف تعبير السينما المستقلة وحده منذ عدة سنوات باعتباره أحد ....

كيفية إعداد برامج تلفزيونية

كيف تصبح معد برامج ....

 تعتبر وظيفة "معد البرامج" من الوظائف المهمة في شبكات التلفزة ....

غلاف المقال

10 خطوات عملية في‮ ‬للبداية في الإخراج المسرحي ....

 ‮ ‬المسرح‮ ... ‬عالم مليء بالطاقة والخيال‮ ‬،‮ ‬عمل شاق ....

بوستر للفيلم المصري المستقل - لأمؤاخدة

كيف تصبح مخرجا مستقلا ....

 يقف تعبير السينما المستقلة وحده منذ عدة سنوات باعتباره أحد ....

كيفية إعداد برامج تلفزيونية

كيف تصبح معد برامج ....

 تعتبر وظيفة "معد البرامج" من الوظائف المهمة في شبكات التلفزة ....