ثمانية ترشيحات للأوسكار حصيلة كبيرة لفيلم اجتماعي معاصر، ليس فيه مشاهد ضخمة ومكلفة، وليس فيه حيل تقنية، وليس فيه إثارة حركية. هل يتفوق فيلم "السعادة علاجاً" للمخرج وكاتب السيناريو معاً ديفيد و. راسل على منافسات العام 2012 الصعبة وتحدياته الكبيرة، مثل "حياة باي"، "آرغو"، "دجانغو"، و"البؤساء"، فيحقق مفاجأة من العيار الثقيل، تعيد للأذهان ما فعله فيلم "اصطدام" للمخرج بول هاجيز عام 2004، أو فيلم "أناس عاديون" لروبرت ردفورد عام 1980؟ يتمتع الفيلم برهافة حس في معالجة موضوعه العاطفي، وبممثلين من طراز رفيع، سواء من الشيب أم الشباب، يتقدمهم المخضرم روبرت دو نيرو، إضافة للوجهين الشابين برادلي كوبر وجنيفر لورنس، بعد نجاح الأخيرة الساطع في فيلم "لعبة الجوع". في الواقع، يحمل فيلم "السعادة علاجاً" عنواناً آخر غريباً، تصعب ترجمة معناه بشكل مفهوم إلى العربية، هو Silver Lining Playbook، الذي عنون مؤلف الرواية الأصلية ماثيو كويك به روايته. لعل غرابة هذا العنوان تؤكد على الطابع الأمريكي البحت للفيلم، وقصته المشحونة بالعواطف الكامنة والمحبطة، التي تصل إلى نهاية سعيدة بعد المأساة، وإن كان عنوان "السعادة علاجاً" أوضح وأجمل. تبدأ القصة من الشاب "بات" من ولاية فيلادلفيا وهو يتحدث عن ذكرياته مطلاً من نافذة مستشفى ميريلاند للأمراض العقلية، بينما أتت أمه لتخرجه منها، وتعيده إلى البيت دون معرفة أبيه المتقاعد. كان السبب وراء أزمة "بات" النفسية وعنفه الجامح، الذي جعله يفقد وظيفته كمدرس، هو ضبطه لزوجته التي يحب حباً جماً وهي تخونه مع أستاذ تاريخ كهل، فيضربه ضرباً مبرحاً، وتنمو لديه عقدة نفسية مزمنة لدى سماع موسيقا حفل زفافهما تتجلى في نوبات هياج عنيفة. في البيت، يحاول الأب (روبرت دو نيرو) ملاطفة ابنه والتسرية عنه بجعله يشاركه هوايته في متابعة مباريات فريق "النسور" الرياضي، لكن الابن ما زال ضائعاً، يحاول عبثاً استعادة حياته وعمله وزوجته "نيكي" التي سامحها في أعماقه على غلطتها، وكذلك استعادة احترام والديه الحقيقي بعد أن لاحظ كيف أنزلا صورته عن الجدار وأبقيا على صورة أخيه. تجابه "بات" الشاب صعوبات التأقلم، ويلجأ إلى صديقه المقرب "روني" وزوجته "فيرونيكا"، اللذين يعرفانه على أختها "تيفاني" (جنيفر لورنس) التي واجهت بدورها مأساة مصرع زوجها الشاب بعد زواج سعيد قصير الأمد، فحاولت الخلاص من أزمتها بعد فقدانه بإقامة علاقات جنسية عابرة مع زملاء العمل، رجالاً ونساءً. دون إرادة أو تخطيط، تنشأ علاقة حب/كره معقدة بين "بات" و"تيفاني"، نتيجة كونهما محبطين ولا منتميين إلى قيم مجتمعهما التقليدية. يتردد "بات" على طبيب نفسي هندي الأصل، كي يساعده على تخطي أزمته والتكيف مع الحياة. كما يطلب من صديقته الجديدة "تيفاني" مساعدته في استعادة التواصل مع زوجته السابقة عن طريق تبادل الرسائل، فتوافق مشترطة أن يصبح بالمقابل شريكها في الرقص لخوض مباراة في مسابقة رقص. يبدأ الاثنان التدريب في ستوديو "تيفاني" الخاص، وينضم إليهما ذات مرة زميله الأسود المريض، الذي دأب على الفرار من مستشفى الأمراض العقلية، ليسهم بتصميم غريب وطريف لبعض الحركات الفريدة. خلال ذلك، يعود شقيق "بات"، الذي يعتبر ناجحاً في الحياة في نظر والديه إلى المنزل، ويذهب مع "بات" وشلة الأصدقاء إلى مباراة ما يلبثوا أن يشتبكوا خارجها في معركة مع مشجعي الفريق المنافس. يعود الشابان وأصدقاءهما بكدمات وخيبة أمل إلى البيت بعد أن خسر فريقهم المفضل المباراة. يحزن الأب حزناً شديداً، في الوقت الذي تقتحم فيه "تيفاني" البيت لأول مرة مؤنبة "بات" لتخلفه عن بروفة الرقص في حين يدنو موعد المسابقة. هنا، تشتبك مع الأب الناقم عليها وعلى علاقتها بولده، فيؤنبها بشدة، إلا أنها تفاجئه بمتابعتها الدؤوب للرياضة، مؤكدة له أن الحظ الحسن لفريق "النسور" لم يأتِ إلا في زمن تواجدها مع ابنه "بات". يفكر الأب هنيهة، ويجد أنها تنطق بالحقيقة، ويرى في هذا الأمر طالعاً حسناً لفريقه المفضل. يصل الأمر أن يتراهن والد "بات" مع جاره العجوز على فوز فريق "النسور" مقابل بيته وكل ما يملك إذا ما خسر المباراة مع واحد من اقوى فرق أمريكا. ويضيف الجار إلى الرهان تحدياً إضافياً بأن يشترط نيل "بات" و"تيفاني" في مسابقة الرقص علامة خمسة من عشرة كي يتحقق للأب الفوز التام، وإلا فإنه سيخسر. لم تكن زوجة "بات" السابقة هي من أجابه على رسالته، في الواقع، لأن "تيفاني" كانت هي من كتب الرسالة الجوابية سراً باسمها كي تهدئ خاطر شريكها في الرقص وتجعله يكمل المشوار معها، رغم أنه رفض كلياً أن يخوض معها علاقة جسدية عابرة منذ البداية. بالطبع، لا يكتشف "بات" ذلك إلا قبيل خوضهما مباراة الرقص. عندها، يتفتح شعوره ليدله على أنه يبادلها إحساساً بإحساس، وأنها فعلت أقصى ما تستطيع لتمنحه السعادة وتكسب قلبه. يفوز الفريق بالمباراة، فيتحقق نصف ربح والد "بات" في رهانه مع الجار، ويبقى القسم المتعلق بالرقص. عندما تفاجأ "تيفاني" بوجود زوجة "بات" بين جمهور الحضور، تصيبها صدمة، وتنزوي لتتجرع الشراب على البار مع غريب، محبطة وحزينة. يبحث "بات" عنها إلى أن يجدها، ويشدها رغماً عنها إلى حلبة الرقص، ليؤديا فقرتهما بانسجام بالغ لم يصلا إليه من قبل، وإن لم يتجاوز مستوى أدائهما الهواة بالمقارنة مع الثنائيات الأخرى المحترفة. يصدر قرار لجنة التحكيم بمنحهما خمسة من عشرة علامات بالضبط، فيجن أفراد الأسرة وأصدقاؤها فرحاً وبهجة، بمن فيهم الطبيب النفسي والمجنون الأسود، أمام دهشة المحكمين والراقصين والحضور، إذ أن تلك النتيجة الوسط كافية لفوز والد "بات" في الرهان، واحتفاظه ببيته وماله. يتركهم "بات"، ويذهب ليهمس في أذن زوجته السابقة "نيكي" بكلمات لا نسمعها، لكنها كافية تثير غيرة "تيفاني"، فتنصرف من دون وداع، ظناً منها أنه اصطلح مع زوجته وسيهجرها إلى البد. تفاجأ "تيفاني" عندما تجد "بات" يلحق بها، ويعرب لها عن حبه الأكيد لها بعد أن وجد في صحبتها سعادة شفته من أزمته النفسية، وأصبحت خلاصه الوحيد. يتميز فيلم "السعادة علاجاً" بالأداء التمثيلي القوي. ليس هذا مستغرباً، بالطبع، من نجم كبير ومخضرم في مثل وزن روبرت دو نيرو. لكن أداء جنيفر لورنس لدور "تيفاني" كان مفاجأة سعيدة للجمهور إذ اكتشف هذه الممثلة الشابة الصاعدة بسرعة وثبات. كذلك، أدى الممثل برادلي كوبر - الذي سبق له أن لعب بطولة فيلمي "صداع الثمالة" وفيلم "بلاحدود" – دور "بات"، الشاب المصاب بأزمة نفسية يحاول جاهداً التعافي منها، محاولاً كبح مشاعر الشخصية ما أمكن، والتعبير بالنظرات وتعبيرات الوجه المقتضبة، ما عدا لحظات انفجار الهياج الغاضب التي تنتابه بعد مشهد خيانة زوجته الحبيبة. جسدت الأم "دلوريس" (أدت الشخصية جاكي ويفر) نموذج الأم الأمريكية العادية، التي لا تلفت النظر، لكنها تفيض حناناً على زوجها وابنها وبيتها. كذلك، تميز الممثل الأسود كريس تاكر في دور مدمن الهروب من مستشفى الأمراض العقلية، والممثل الهندي أنوبام كير في دور الطبيب النفسي الطريف. لكن سر نجاح هذا الفيلم الواقعي، البسيط إنتاجاً وتكلفة، يكمن في موهبة مخرجه وكاتب السيناريو له الأمريكي ديفيد و. راسل، صاحب فيلمين معروفين كتبهما وأخرجهما، هما: "ثلاثة ملوك" و"الملاكم". استطاع راسل في هذا الفيلم أن يخطو خطوة واسعة، بل أن يقفز محققاً قيمة مضافة إلى مسيرته التأليفية والإخراجية بفيلم مرهف وشفاف، رغم طابع علاقاته الأمريكي المحض، ليذكرنا بنجاح قديم لفيلم "قصة حب" و"البحيرة الزرقاء" في حقبة السبعينيات. ربما يصبح فيلم "السعادة علاجاً" مفاجأة هذا العام، لأنه سطع بين باقة أفلام قوية جداً، وذات ميزانيات ضخمة، وإمكانات فنية هائلة، وإن كان بن أفليك في "آرغو" استطاع أن يكون الجواد الأسود الرابح في مسابقة "بافتا" البريطانية، وصاحب حظ وافر في مسابقتي "غولدن غلوب" و"الأوسكار" الأمريكيتين.

أكتب تعليقك

البوستر الإعلاني لفيلم البؤساء لمواقع الإنترنت

نقد سينمائي | فيلم البؤساء " Les Miserab....

 تتدفق الألحان، فى &la....

بوستر | House of Sand and Fog
الأسطورة المخرج والمنتج / أورسون ويلز
غلاف المقال

10 خطوات عملية في‮ ‬للبداية في الإخراج المسرحي ....

 ‮ ‬المسرح‮ ... ‬عالم مليء بالطاقة والخيال‮ ‬،‮ ‬عمل شاق ....

بوستر للفيلم المصري المستقل - لأمؤاخدة

كيف تصبح مخرجا مستقلا ....

 يقف تعبير السينما المستقلة وحده منذ عدة سنوات باعتباره أحد ....

كيفية إعداد برامج تلفزيونية

كيف تصبح معد برامج ....

 تعتبر وظيفة "معد البرامج" من الوظائف المهمة في شبكات التلفزة ....

غلاف المقال

10 خطوات عملية في‮ ‬للبداية في الإخراج المسرحي ....

 ‮ ‬المسرح‮ ... ‬عالم مليء بالطاقة والخيال‮ ‬،‮ ‬عمل شاق ....

بوستر للفيلم المصري المستقل - لأمؤاخدة

كيف تصبح مخرجا مستقلا ....

 يقف تعبير السينما المستقلة وحده منذ عدة سنوات باعتباره أحد ....

كيفية إعداد برامج تلفزيونية

كيف تصبح معد برامج ....

 تعتبر وظيفة "معد البرامج" من الوظائف المهمة في شبكات التلفزة ....